أبي الفرج الأصفهاني
102
الأغاني
أنت وأكثر ، وأنت آمن من أن يكون منا جواب ، وأتى محمد بن أمية ، فقال له مثل ذلك ، ومضى أبو موسى ، فأخذ عليّ بن أمية رقعة فكتب فيها : كم شاعر عند نفسه فطن ليس لدينا بالشاعر الفطن قد أخرجت نفسه بغصّتها يا ريح ما تصنعين بالدّمن ودفع الرقعة إلى غلام له ، وقال : ادفعها إلى غلام أبي موسى ، وقل له : يقول لك مولاك : / اذكرني بهذا إذا انصرفت إلى المنزل ، فلما انصرفت إلى المنزل أتاه غلامه بالرقعة ، فقال : ما هذه ؟ فقال : التي بعثت بها إليّ ، فقال : واللَّه ما بعثت إليك رقعة ، وأظن الفاسق قد فعلها ، ثم دعا ابنه ، فقرأها عليه ، فلما سمع ما فيها قال : يا غلام ، لا تنزع عن البغلة . فرجع إلى عليّ بن أمية ، فقال : نشدتك اللَّه أن تزيد على ما كان ، فقال له : أنت آمن . لحن عمرو الغزال في أبيات عليّ بن أمية رمل بالوسطى . وقال يوسف بن إبراهيم : حدّثني إبراهيم بن المهديّ : قال : حدّثني محمد بن أيوب المكي : بئس المغني عمرو الغزال : أنه كان في خدمة عبيد اللَّه بن جعفر بن المنصور ، وكان مستخفّا لعمرو الغزال ، محبّا له ، وكان عمرو يستحق ذلك بكل شيء ، إلا ما يدّعيه ويتحقّق به من صناعة الغناء ؛ وكان ظريفا أديبا نظيف الوجه واللباس ، معه كلّ ما يحتاج إليه من آلة الفتوّة ، وكان صالح الغناء ، ما وقف بحيث يستحقّ ، ولم يدع ما يستحقه ، وأنه كان عند نفسه نظير ابن جامع وإبراهيم وطبقتهما ، لا يرى لهم عليه فضلا ولا يشكّ في أنّ صنعتهم مثل صنعته ، وكان عبد اللَّه قليل الفهم بالصناعة ، فكان يظن أنه قد ظفر منه بكنز من الكنوز ، فكان أحظى الناس عنده من استحسن غناء عمرو الغزال وصنعته ، ولم يكن في ندمائه [ 1 ] من يفهم هذا ، ثم استزار عبيد اللَّه بن جعفر أخاه عيسى ، وكان أفهم منه ، فقلت له : استعن برأي أخيك في عمرو الغزال ؛ إنه أفهم منك ، وكانت أمّ جعفر كثيرا ما تسأل الرشيد تحويل أخيها عبيد اللَّه وتقديمه والتنويه به ، فكان عيسى أخوه يعرّف الرشيد أنه ضعيف عاجز لا يستحق ذلك ، فلما زاره عيسى أسمعه غناء عمرو ، فسمع منه سخنة عين [ 2 ] ، فأظهر من السرور والطَّرب أمرا عظيما ، ليزيد بذلك عبيد اللَّه بصيرة فيه ، ويجعله عيسى سببا قويا يشهد عند الرشيد بضعف عقله ، وعلمت ما أراد ، وعرفت أن عمرا الغزال أول داخل على الرشيد ، فلما كان وقت العصر من اليوم الثاني ، لم نشعر إلا برسول الرشيد قد جاء يطلب عمرا الغزال ، فوجّه إليه وأقبل يلومني ويقول : ما أظنك إلا قد فرقت بيني وبين عمرو ، وكنت غنيا عن الجمع بينه وبين عيسى ، واتفق أن غنى عمرو الرشيد في هذا الشعر صنعته : يا ريح ما تصنعين بالدّمن ؟ كم لك من محو منظر حسن وكان صوتا خفيفا مليحا فأطربه ، ووصله بألف [ 3 ] دينار ، وصار في عداد مغنّي / الرشيد ، إلا أنه كان يلازم
--> [ 1 ] في ف : « من ندمائه ولا من أصحابه » . [ 2 ] سخنة عين : ضد قرتها وارتياحها . [ 3 ] في ف : « بألفي » .